منتدى طريق الأحرار

إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً
منتدى طريق الأحرار

ومن يتوكل على الله يكن حسبه

المواضيع الأخيرة

التبادل الاعلاني

احداث منتدى مجاني

    نظريات نشوء الدولة في فكر الشهيدين الصدرين...مقارنة بالغرب

    Admin
    Admin
    Admin

    المساهمات : 18
    تاريخ التسجيل : 16/03/2011

    نظريات نشوء الدولة في فكر الشهيدين الصدرين...مقارنة بالغرب Empty نظريات نشوء الدولة في فكر الشهيدين الصدرين...مقارنة بالغرب

    مُساهمة من طرف Admin في الإثنين مارس 28, 2011 5:43 am

    بسم الله الرحمن الرحيم
    نظريات نشوء الدولة في فكر الشهيدين الصدرين...مقارنة بالغرب
    فلاح السعدي
    تمهيد
    قبل الخوض في بيان النظريات في نشوء الدولة, نود أن نبين ما هي الدولة؟, والتعاريف التي قيلت فيها؛ وذلك لخصوصية الموضوع في جانب معين وهو (نظريات نشوء الدول), حيث إنّ الخوض في كل جوانب الدولة يحتاج إلى مجلدات لا يسعها بحث واحد، وهذه بعض التعريفات التي جاء بها الفلاسفة للدولة:
    1- الفرنسي كاردي مالبيرغ (carredemailbag) عرف الدولة بأنها: (مجموعة من الأفراد تستقر على إقليم معين تحت تنظيم خاص, يعطي جماعة معينة فيه سلطة عليها تتمتع بالأمر والإكراه)(1).
    2- الفرنسي بارتلي (bartheley) حيث عرف الدولة بأنها: (مؤسسة سياسية يرتبط بها الأفراد من خلال تنظيمات متطورة)(2).
    3- الدكتور محسن خليل يعرف الدولة بأنها: (جماعة من الأفراد تقطن على وجه الدوام والاستقرار إقليماً جغرافياً معيناً، وتخضع في تنظيم شؤونها لسلطة سياسية، تستقل في أساسها عن أشخاص من يمارسها)(3).
    4- الدكتور كمال العالي يعرف الدولة بأنها: (مجموعة متجانسة من الأفراد تعيش على وجه الدوام في إقليم معين، وتخضع لسلطة عامة منظمة)(4).
    5- ما كيفر (mcypher) يعرف الدولة بأنها: (اتحاد يحفظ داخل مجتمع محدد اقليمها الظروف الخارجية العامة للنظام الاجتماعي, وذلك للعمل من خلال قانون يعلن بواسطة حكومة مخولة بسلطة قهرية لتحقيق هذه الغاية)(5).
    6- ومنهم من يعرفون الدولة بأنها: (مجموعة من الأفراد يقيمون بصفة دائمة في إقليم معين, تسيطر عليهم هيئة منظمة استقر الناس على تسميتها الحكومة, وقد حدد البعض ثلاثة عناصر لابد منها لكيان الدولة هي: مجموعة الأفراد, والإقليم, والحكومة)(6).
    النظريات في فكرة نشوء الدولة
    أهتمّ بدراسة هذا الموضوع عدد من علماء الاجتماع والفلسفة منذ القدم؛ لأنه يرتبط بهما أكثر مما يرتبط بقانون الدول وذلك لأنه نشأ بعدهما.
    ومن الفلاسفة المشهورين في دراسة هذا الموضوع, الفلاسفة الاغريق كأرسطو وأفلاطون وسقراط، وكذا الفكر الروماني درس هذا الموضوع وكان متأثراً بالفلسفة اليونانية, كما أن الكنيسة الكاثولوكية لها اهتماماتها بهذا الموضوع أيضاً، يضاف إلى ذلك, اهتمام الفكر السياسي والفلسفي الإسلامي بموضوع نشوء الدولة, وأبرز مَن ولج في هذا الباب هو الفارابي وعالم الاجتماع العربي ابن خلدون، واهتم كتّاب وفلاسفة أوربا في القرنين السابع عشر والثامن عشر بذلك، ومهما ذكرنا فإن هناك نظريات قيلت في أصل نشوء الدولة نذكر منها:
    أولاً: نظرية القوة أو ما تسمى بـ(نظرية العنف).
    تذهب هذه النظرية إلى أن الأصل في نشوء الدولة يعود إلى القوة والعنف والإكراه، وعلى هذا الأساس, هيمنت الدول بسلطتها التي هي عبارة عن نظام فُرِضَ على جماعة مغلوبة من قبل جماعة غالبة أو منتصرة تحملهم على الخضوع، مما يترتب على ذلك, كون الإرادة العامة هي إرادة الشخص الغالب أو المنتصر، وذهب إلى هذا الرأي عالم الاجتماع الألماني (هوبن هايمر), حيث يرى أن نشوء الدولة أو السلطة فُرض عن طريق جماعة ظافرة منتصرة على أخرى مغلوبة خاسرة.
    وفي الحضارات القديمة أن الانتصار في الحرب كان يعتبر بمثابة حكم أصدره الإله لصالح من عقد له اللواء. وقد رأى البعض أن هذهِ النظرية لها من الصحة، حيث نظروا إلى أن القوة تلعب دوراً كبيراً لا يستهان به في العلاقات الدولية. وردّ آخرون أن هذه النظرية لا يمكن أن تقدم التفسير الوحيد لإنشاء الدولة أو السلطة، حيث إن القوة وإن كانت ضرورية في بداية الأمر إلا أنها غير كافية للديمومية والاستمرارية؛ وذلك أن السلطة التي تستند على القوة تعتبر غير مشروعة؛ لأنها تفرض وجودها على الشعب قسراً,ً وبهذا لا تستطيع البقاء طويلاً, كما يبين التاريخ السياسي للدول, ومن هنا فإن هذه النظرية لا تقدم لنا التفسير الكامل لنشوء الدولة.
    ثانياً: النظرية الدينية أو (نظرية الحق الإلهي للسلطة).
    وتسمى النظرية الثيوقراطية. والثيوقراطية كلمة يونانية (Theokraties) مكونة من مقطعين: ثيوث (theos). وترادف معنى الدين, وتعني الرب. وكراتيس (kraties). وهي بمعنى السيادة أو الحكم أو نظام الحكم. وبربط الكلمتين مع بعض يصبح المعنى حرفياً هو:>حكم الدين<. وتقوم هذه النظرية على أن الله يختار من يشاء لممارسة السلطة. فالحاكم يستمد سلطته من الله؛ لذلك فإن إرادته تعلو على إرادة الشعب، وقد سادت هذه النظرية في كل من مصر والصين وبلاد فارس، حتى بعد ظهور المسيحية، لكنها بدأت بالإندثار في العصور الوسطى بعد أن اشتد النزاع بين الكنيسة والملوك في أوربا، وظهور البروتستانتية على يد (مارتن لوثر) سنة 1520م(7).
    وهناك ثلاث نظريات ثيوقراطية أو دينية:
    أ ـ نظرية الطبيعة الإلهية للحاكم
    هذه النظرية تقول: إن أصل الدولة أو السلطة ديني وإن الحكام لهم منّة إلهية أو سماوية، فالحاكم كان يعتبر حاكماً وإلهاً في نفس الوقت، وبالتالي يجب على الأفراد التقديس والخضوع له والامتثال للأوامر والنواهي الصادرة منه وعدم ابداء أي اعتراض؛ لأنها أوامر صادرة من الإله، ومن يخالف هذا يكون مرتكباً للخطيئة أو المعصية، وقد وجدت هذه النظرية لها تطبيقاً في الحضارات القديمة، ففي اليونان كان الاعتقاد السائد من أنّ أول من مارس السلطة في اليونان لم يكن من الإنس, بل كان مخلوقاً أرقى وأسمى من البشر؛ لأنها كانت من أصل إلهي.
    وأما في الحضارة المصرية القديمة ـ الفرعونية ـ , فحاكم مصر كان يدعي الإلوهية, وقد لُقب الفرعون بلقب (هوديس). وتعني إله الشمس. وفي بعض الكتب وجدت أن معناها (الرب) في اللغة المصرية القديمة في عهد الأسرتين الفرعونيتين، ولُقب الفرعون باسم (رع) والتي تعني الإله في اللغة المصرية القديمة, وذلك في عهد الأسرة الفرعونية الرابعة، كما نجد تطبيقاً لنظرية الطبيعة في القرن العشرين في بعض دول قارة آسيا مثل الصين, حيث إن إمبراطورها سابقاً كان يحكم الصين باعتباره ابن السماء.
    واليابان ـ أيضاً ـ كان إمبراطورها بعد الحرب العالمية الثانية وبالتحديد عام 1947م، كان يحكم باعتباره ابن الله, وإن سلطاته تعتبر من المواليد المقدسة, وكان تقام له فروض العبادة وطقوسها.
    إذن, هذه النظرية قديمة ومع قدمها وجدت لها تطبيقا في العصر الحديث.
    ب - نظرية الاختيار الإلهي: وهي كالنظرية السابقة, ترجع السلطة إلى إرادة علوية تسمو على إرادة البشر, وهذه الإرادة هي التي تسمّي شخصاً معيناً أو أسرة معينة بذاتها لممارسة السلطة والحكم، وعليه فالأساس الذي تقوم عليه الدولة هو التفويض والاختيار أو التعيين الإلهي الخارج عن إرادة البشر. ومما يترتب على هذه النظرية إن سلطة الحكام مستمدة من سلطة الإله, وبالتالي لا مسؤولية ولا حساب على الحكّام إلا أمام الجهة التي فوضت لهم السلطة، وتسمى بالإرادة السامية أو العلوية.
    وقد استغل العديد من الحكام هذه النظرية من أجل فرض السلطة على شعوبهم، ففي فرنسا وتحديداً في القرون الوسطى كان الاعتقاد السائد هو أن الملك يستمد سلطته من الله. وقد وردت عبارات تجسد هذا المفهوم, حيث إن لويس الرابع عشر كان يقول ـ كما وجد في مذكراته ـ: (إن السلطة التي يتولاها الملوك قد فوضتها إليهم العناية الإلهية, وأن مصدر السلطة هو الله لا الشعب, وأمام الله وحده يؤدي الملوك حسابهم عن السلطة)(Cool.
    وهناك مقولة أخرى لملك فرنسا لويس الخامس والعشرين مرسوم صدر منه عام 1770م: (إننا لم نتلقَ التاج إلا من الله، فسلطة عمل القوانين هي من اختصاصنا وحدنا دون تبعية ولا توزيع).
    ومما يجدر ذكره في هذا الصدد, أن انكلترا سبق وأن حكمت بموجب نوايا التفويض الإلهي- حكمت بموجب عهد ستيوارت- ثم خُلعت هذه الأسرة عن السلطة, وفي بداية هذا القرن - وقبل اندلاع الحرب العالمية الأولى- كان إمبراطور المانيا يدعي هو الآخر بأن التصدي للسلطة بتفويض من الله تعالى.
    ويمكن أن يقال: إن آخر تطبيقات النظرية كان في القرن العشرين, حيث مارسها امبراطور الحبشة السابق (هيلا سيلاسي) الذي استمر حكمه من 1930وحتى1974, حيث انتهى حكمه أثر انقلاب قاده مجموعة من ضباط الجيش, أطلق عليهم اسم الدرج (اللجنة العسكرية)(9).
    ج ـ نظرية العناية الإلهية:
    تقوم هذه النظرية على اعتبار أن السلطة أو الدولة وإن رجعت إلى أصل ديني, غير أن اختيار الحكام يتم عن طريق الحكام أو الأفراد أو الشعب. وهذا يعني أن السلطة يبقى مصدرها الله، ولكن لا يختار الحكام بشكل مباشر, وإنما يوجه الأفراد والحوادث بشكل يتم معه اختيار الحاكم, ويترتب على ذلك أن السلطة بموجب هذه النظرية, تعتبر مسألة دنيوية مع اضفاء طابع ديني عليها؛ كي يجد الناس في طاعتها وقبولها تطبيقاً.
    ومن أشهر تطبيقات هذه النظرية, السلطة التي كان يمارسها حاكم المانيا السابق (ادولف هتلر) في المانيا والذي كان يردد دائماً عبارات العناية الإلهية، وكان يقول: (إن العناية الإلهية هي التي اختارته لزعامة الشعب الألماني)، وأن النظام الذي كان يتبعه نظام دكتاتوري, ومن أجل استغلال الطابع الديني، فإن الحكام استغلوا هذا الشيء على المحكومين، وهتلر معروف بحكمه الدكتاتوري، ومن المعلوم أن الدكتاتورية على نوعين: دكتاتورية مذهبية: وتعتمد على ايديولوجية معينة. ودكتاتورية غير مذهبية: وهذه لا تعتمد على ايديولوجية معينة.
    كما أن حاكم أسبانيا السابق الجنرال (فرانكو) كان يحكم - هو الآخر- بموجب نظرية العناية الإلهية, ولم يكتف فرانكو بذلك, بل إنه وضع العبارة التالية على النقود الأسبانية التي كانت تحمل صورته: (الزعيم بفضل الرب). وكان يبين في ذلك إلى أن العناية الإلهية هي التي مكنته من السلطة، مع أن النظام الدكتاتوري لا يعترف إلا بنفسه ويلغي بقية الأنظمة, وإنه يحتفظ برأيه ويلغي آراء الآخرين.
    ثالثا: نظرية التطور الأسري
    ولها تسميات أخرى مثل نظرية التطور العائلي أو نظرية السلطة الأبوية, وتتلخص هذه النظرية بأن أهل السلطة أو الدولة تعود إلى الأسرة؛ لأنها الصورة المصغرة للدولة, فعندما تمتّ الأسرة أصبحت عائلة, وبعد ذلك تجمعت العائلات وكونت القبيلة, ومع ازدياد وتكاثر عدد أفراد القبيلة انقسمت إلى عشائر، وبمرور الزمن أخذت هذه العشائر بالنمو والازدياد والانتشار في رقعة جغرافية معينة؛ لتتكون المدن ثم الدول. ومن هذا فإن أصل سلطة الحكم في الدولة يرجع إلى سلطة ربّ الأسرة التي انتقلت إلى العائلة, ثم إلى رئيس القبيلة, ثم إلى رؤساء العشائر, ولذلك يطلق على هذه النظرية اسم: (نظرية السلطة الأبوية). هذه النظرية حاولت أن تقدم تفسيراً مقبولاً من الناحية النسبية لبيان أصل السلطة, من خلال إيراد بعض أوجه الشبه بين سلطة رب الأسرة وسلطة الحاكم, غير أن هذه النظرية تعرضت لعدة انتقادات ومن أهمها:
    أـ من الأمور الثابتة تاريخياً أن الأسرة ليست الخلية الأولى للجماعة البشرية, وأن الذي جمع الأفراد في الخلايا الاجتماعية البدائية الأولى هو المصالح المشتركة ومقاومة ظروف الطبيعة.
    ب ـ إن سلطة الأم سبقت سلطة الأب في بداية عصر الإنسانية, وعلى هذا الأساس, لم تتكون الأسرة في شكل جماعة منظمة تحت رئاسة رب الأسرة, إلا بعد أن تطورت الجماعات البشرية وانتظمت, ثم انتقلت السلطة من الأم إلى الأب.
    ج ـ إن سلطة رب الأسرة تعتبر سلطة مؤبدة أي أنها تبقى ما بقي رب الأسرة حياً؛ إذ أنه لا يستطيع أن يتنازل عن تلك السلطة, في حين نجد أن سلطة الحاكم ليست سلطة مؤبدة, بل إنها سلطة مؤقتة، وهذه صفة جوهرية بين السلطتين.
    دـ إن سلطة رب الأسرة هي سلطة إجبارية رغماً عنه, في حين نجد أن سلطة الحاكم ليست اجبارية ومن حقه أن يرفضها, وإذا قبلها يستطيع بعد حين أن يتنازل عنها.
    رابعاً: نظرية العقد الاجتماعي
    وتعتبر هذه النظرية من النظريات القديمة, غير أنها اشتهرت بثلاثة من علماء الاجتماع وهم: الانجليزيان (توماس هوبز 1588م ـ 1679م)، و(جون لوك 1632م ـ 1704م) والفرنسي (جان جاك رو سو 1712م ـ 1778م). ومن خلال التعرف على أراء هؤلاء الثلاثة, نحاول أن نتعرّف على هذه النظرية، حيث إن هناك اتفاق في الرأي في مسألتين:
    الأولى : إن في بداية عصر الإنسانية كان الناس يعيشون حياة فطرية ويتمتعون في ظل هذه الحياة بحقوق وحريات منحتها لهم الحياة أو الطبيعة، تسمى بـ(الحقوق الطبيعية).
    الثانية : إن الأفراد رغبوا الحياة أفضل, فأرادوا الانتقال من الحياة الفطرية إلى حياة مجتمع منظمٍ سياسي، أي أنهم أتفقوا على إقامة سلطة بالوسيلة التي تم بموجبها هذا الانتقال, فكانت الوسيلة التي تمّ بها هذا الانتقال تسمى: (العقد الاجتماعي).
    وكل واحد من هؤلاء الثلاثة كان له مفهوم خاص للعقد الاجتماعي، فتوماس هوبز أراد أن يصل إلى نتيجة معينة, وجون لوك كذلك, وجان جاك روسو كذلك, مع أن أفكار الأخير منهم كانت واضحة جداً في فرنسا.
    وسنحاول بيان هذا المفهوم عند كل واحد من هؤلاء الثلاثة:
    1 ـ مفهوم العقد الاجتماعي عند توماس هوبز
    كان توماس هوبز يخالف ارسطو في نظرته إلى كون الإنسان اجتماعي بطبعه، حيث كان يرى العكس, وهو أنه خلاف ذلك, أي إنه أناني ومحب لنفسه لا يعمل إلا بقدر ما يحقق مصلحته الشخصية. ومن هنا يرى أن الحياة البدائية قد سادتها الفوضى والاضطراب, وسيطر الأقوياء على الضعفاء والنتيجة التي قد تؤدي إلى فناء الإنسان، إلا أنه قد حال دون ذلك بأن الإنسان غريزياً كان حريصاً على البقاء، ولهذا السبب تولدت لدى الأفراد فكرة (التعاقد)، ومعناها أن يعيشوا تحت رئاسة أو قيادة أحدهم متنازلين له عن حقوقهم وحرياتهم مما يرتب على هذا، الانتقال من حياة الفطرة إلى حياة الجماعة.
    ويعتبر توماس هوبز أن هذا العقد ملزم لجانب واحد وهم الأفراد؛ حيث إنهم تنازلوا عن حقوقهم للحاكم الذي هو بدوره لم يتنازل عن حقوقه الطبيعية في الحياة الفطرية.
    أراد توماس هوبز بهذا التفسير أن يبرر سلطة الحاكم المطلقة؛ حيث إن الأفراد بتنازلهم هذا قد تنازلوا عن حرياتهم إلى الحاكم, واتفقوا فيما بينهم على أن كل ما يأمر به الحاكم فهو خير, وكل ما ينهى عنه الحاكم فهو شر، ويؤسس على ذلك, أنه لا يحق للأفراد مناقشة مشروعية الحاكم في الأوامر والنواهي الصادرة منه، بل يجب عليهم الطاعة والامتثال، وبالتالي أستبعد توماس هوبز حق الأفراد في مقاومة الحاكم مهما كانت تصرفاته، وقد أسس سلطة الحكام المطلقة على فكرة العقد الاجتماعي.
    2 ـ مفهوم العقد الاجتماعي عند جون لوك
    اتفق جون لوك مع هوبز في وجود حالة فطرية عاشها الأفراد قبل حياة الجماعة, وأن المجتمع يقوم على أساس العقد الاجتماعي، غير أنه أختلف مع هوبز في وصفه أن الحياة الفطرية تخلق الفوضى، حيث إن جون لوك يرى أن حياة الفطرة كانت حياة حسنة، إلا أن الأفراد رغبوا بحياة أفضل لهم، وتحقيقاً لذلك, سلكوا طريق التعاقد فيما بينهم؛ من أجل إقامة سلطة تتمثل في شخص أو بضعة أشخاص يمثلون المجتمع بأكمله، وعلى هذا الأساس يقول: ( إن التعاقد تم بين الأفراد من ناحية، والحاكم من ناحية أخرى ). أي أن العقد عند جون لوك ملزم من الطرفين ـ الأفراد والحاكم ـ , وإن الأفراد لم يتنازلوا عن كل حقوقهم في حياة الفطرة, بل إن التنازل الحاصل كان جزئياً بالقدر المهم أو الضروري.
    وقد أراد جون لوك بهذا التفسير تحقيق سلطة الحكام المقيدة لما يتضمنه العقد من التزامات متبادلة، فالحاكم من جانبه ملزم بالمحافظة على حقوق الأفراد التي لم يتنازلوا عنها وملزم بإقامة العدل بينهم، والأفراد ملزمين بواجب الطاعة للحاكم طالما كان هذا الحاكم يعمل وفقاً للحدود المرسومة بموجب العقد، فإذا تجاوز الحاكم تلك الحدود, كان من حق الأفراد الاعتراض عليه ومقاومته، وبهذا فإن جون لوك أعطى للأفراد حق المقاومة الشعبية للأفراد في هذه الحال.
    3 ـ مفهوم العقد الاجتماعي عند جان جاك روسو
    استهدف روسو بفكرة العقد الاجتماعي تنازل الأفراد عن كافة حقوقهم الطبيعية التي كانوا يتمتعون بها في حياة الفطرة، وهذا التنازل لم يتم لشخص معين بالذات أو أشخاص معينين كما ذهب كل من هوبز ولوك، بل إن هذا التنازل تم للمجتمع بأكمله، ويضاف إليه, إن الأفراد لم يفقدوا حقوقهم كلياً, وإنما استعاضوا عنها بحقوق مدنية مضمونة وصحيحة من قبل الطرف الذي أقاموه وهو (الدولة).
    فالتعاقد عند روسو هو إحلال الإرادة العامة الجماعية محل الإرادة الفردية، كما أن غرض التعاقد هو تنازل كل فرد عن كافة حقوقه الطبيعية للمجتمع، وبما أن هذا التنازل يتم دون تحفظ من قبل الأفراد، فليس لأي فرد منهم أن يطالب بشيء, وذلك لتحقيق مبدأ المساواة بين الجميع, يضاف إلى ذلك، مادام كل فرد تنازل عن شخصه وعن حقوقه فليس هناك ما يدفعه للتعدي على الآخرين، وفي ذلك تحقيق لمبدأ الحرية، وإن تنازل الأفراد عن حقوقهم الطبيعية يقابله حصولهم على حقوق مدنية يقرها الحق العام الذي أقرته السلطة أو الدولة. وفي ذلك اختلف روسو عن هوبز الذي جعل هذا التنازل كلياً لصالح الحاكم، كما اختلف عن لوك الذي أقصر هذا التنازل عن بعض الحقوق دون البعض الآخر، وبذلك يكون روسو قد جعل السيادة للجماعة لا للشخص بذاته أو أشخاص معينيين بذواتهم، وبمعنى آخر أن روسو أقرّ مبدأ (السيادة الشعبية) التي تتمثل في مبدأ سيادة القانون بوصفه خير تعبير عن الإرادة العامة للجماعة.

    التكملة
    بعد
    Admin
    Admin
    Admin

    المساهمات : 18
    تاريخ التسجيل : 16/03/2011

    نظريات نشوء الدولة في فكر الشهيدين الصدرين...مقارنة بالغرب Empty رد: نظريات نشوء الدولة في فكر الشهيدين الصدرين...مقارنة بالغرب

    مُساهمة من طرف Admin في الإثنين مارس 28, 2011 5:44 am

    تكملة الموضوع:

    نظرية السيد الشهيد محمد باقر الصدر +في نشوء الدولة
    أما الشهيد السيدمحمد باقر الصدر فقد رفض هذه النظريات بقوله: ( فمن ناحيةتكوّن الدولة ونشوئها تاريخياً، نرفض إسلامياً نظرية القوة والتغلب، ونظرية التفويض الإلهي الإجباري، ونظرية العقد الاجتماعي، ونظرية تطور الدولة عن العائلة). وقد طرح نظريته التي يمكن تسميتها بـنقره لعرض الصورة في صفحة مستقلةالدور النبوي في نشوء الدولة). حيث يرى أن الدولة ظاهرة اجتماعية أصيلة في حياة الإنسان, وقد نشأت هذه الظاهرة على يد الأنبياء ورسالات السماء، واتخذت صيغتها السوية، ومارست دورهاالسليم في قيادة المجتمع الإنساني وتوجيهه، من خلال ما حققه الأنبياء في هذا المجالمن تنظيم اجتماعي قائم على أساس الحق والعدل، يستهدف الحفاظ على وحدة البشرية،وتطوير نموها في مسارها الصحيح.
    وقد اعتمد السيد الشهيد + في بناءنظريته على الآية الكريمة: { كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}(10).
    فيقول +: نلاحظ من خلال هذاالنص أن الناس كانوا أمة واحدة في مرحلة تسودها الفطرة، وتوحد بينها تصورات بدائيةللحياة، وهموم محدودة وحاجات بسيطة، ثم نمت ـ من خلال الممارسة الاجتماعية للحياة ـ المواهب والقابليات، وبرزت الإمكانيات المتفاوتة، واتسعت آفاق النظر، وتنوعت التطلعات، وتعقدت الحاجات، فنشأ الاختلاف، وبدأ التناقض بين القوي والضعيف، وأصبحتالحياة الاجتماعية بحاجة إلى موازين تحدد الحق وتجسد العدل، وتضمن استمرار وحدةالناس في إطار سليم، وتصب كل القابليات والإمكانيات التي نمتها التجربة الاجتماعيةفي محور إيجابي يعود على الجميع بالخير والرخاء والاستقرار, بدلاً عن أن يكون مصدراًللتناقض وأساساً للصراع والاستغلال.
    وفي هذه المرحلة ظهرت فكرة الدولة على يد الأنبياء^, وقام الأنبياء بدورهم في بناء الدولة السليمة، ووضع الله تعالى للدولةأسسها وقواعدها - كما لا حظنا في الآية الكريمة المتقدمة الذكر- وظل الأنبياء يواصلون-بشكل وآخر- دورهم العظيم في بناء الدولة الصالحة, وقد تولى عدد كبير منهم الإشرافالمباشر على الدولة كداود وسليمان وغيرهما, وقضى بعض الأنبياء كل حياته وهو يسعى فيهذا السبيل كما في حالة موسى ×, واستطاع خاتم الأنبياء ’ أن يتوج جهودسلفه الطاهر بإقامة أنظف وأطهر دولة في التاريخ، شكلت بحق منعطفاً عظيماً في تاريخالإنسان، وجسدت مبادئ الدولة الصالحة تجسيداً كاملاً ورائعاً(11).
    مناقشة السيد الشهيد محمد محمد صادق الصدر +
    يمكن أن نلخص بعض الملاحظات حول رأي كل منهم ـ أصحاب نظريات نشوء الدولة ـ ونقده على ضوء القواعد والتعاليم الإسلامية، وذلك فيما يلي:
    مناقشة رأي توماس هوبز
    أما بالنسبة إلى آراء (توماس هوبز)، فقد ذكر أولاً: أن الحاكم يستظل بسلطة الله. وهذا يرجع إلى: (نظرية الحق الإلهي في الحكم). وقد برر (هوبز) بذلك استبداد (آل ستيوارت) في انكلترا الذين عاصرهم(12). وليس هذا المفكر هو أول من أكد على ذلك, فإن كثيراً من الملوك في العهود السابقة كانوا يدعون هذا الادعاء تثبيتاً لحكمهم وإخضاعاً لشعوبهم, ومنهم أول ملوك هذه الأسرة التي دافع عنها (هوبز)، وهو (جيمس الأول) (1603 – 1625م) الذي أصدر كتاباً عنوانه (القواعد الصحيحة للملكياتTrueRules of Monarchies)، أدعى فيه أن الله هو الذي نصب الملوك(13), وكان ذلك قبل حوالي ربع قرن قبل صدور كتاب (هوبز) عن الفلسفة السياسية.
    والإسلام وإن كان يذهب إلى أن رئيس الدولة الإسلامية بالأصالة، إنما هو الإمام المعصوم المنصوب من قبل الله (عزَّ وجلَّ), إلا أن بين هذه النظرية الإسلامية وبين نظرية الحق الإلهي في الحكم بونا بعيداً هو البعد الموجود بين العدل والظلم، وبين التعسف والرحمة، وبين الظلام والنور. فإن المَلِك الذي يدعي أنه يستظل في عرشه بظل الله (عزَّ وجلَّ)، إنما هو ملك جائر مستبد، تذرع بهذه النظرية لحفظ ملكه وإخضاع شعبه، ثم إنه هو الذي يسن القوانين على أساس أهوائه ومصالحه الخاصة وتفكيره الخاص، وهو الذي يطبقها على شعبه بأي أسلوب شاء، وبدون أن يكون لشعبه حق المناقشة والاعتراض.
    أما في الإسلام, فإنّ الله(عزَّ وجلَّ) نصّب إماماً معصوماً مبرءاً من الذنوب، خالياً عن العيوب، يستحيل عليه الزلل والخطأ؛ لما في نفسه من مَلكة قدسية عالية، هي المسماة بـ(العصمة)... نصبه لكي يطبق القوانين التي أنزلها الله (عزَّ وجلَّ) لسعادة البشرية ورفاهها وإنتشار العدل في ربوعها. ومثل هذا الإمام وهذه القوانين هي أهل لأن تخضع لها البشرية وتدين بتعاليمها، فإن العقل يحتّم على الإنسان أن يختار النظام الأفضل لمعيشته، وليس ذلك، إلا ما أختاره الله تعالى- خالق البشر ورازقهم، والمطلع على سرائرهم وحاجاتهم وغرائزهم- لهم من القوانين. وحسب الإنسانية من السعادة والكمال أن يطبق في ربوعها مثل هذا القانون بواسطة مثل ذلك الإمام المعصوم.
    ومن هنا نعرف أن الإمام× لا يضع القوانين كما هو شأن الملوك الذين يدعون السلطة الإلهية, بل إنه مخول فقط بأن يختار الطريق الصالح إلى تطبيق القوانين الموضوعة سلفاً من قبل المشيئة الإلهية، كما أنه أجل قدراً، وأشرف نفسا، وأقرب عند الله تعالى من أن يظلم أحداً، أو أن يتجاوز على حقوق أمته، أو تعاليم دينه القويم.
    أما ما ذهب إليه (هوبز) من أنه يجب أن تكون ثمة سلطة لتقرر بين الناس ما هو الحق، وما هو الباطل، وما هو متفق مع قانون الطبيعة، وما هو مخالف له، فكأنه يقصد من ذلك أن ما هو الحق هو الموافق للطبيعة، وما هو باطل هو مخالف لها، فكأن أهواء الإنسان وغرائزها التي تطلب الإشباع بأي طريق كان، هي شيء مستحسن ينبغي للقانون أن يفسح المجال له، وأن يضع تعاليمه على طبق ما يدعو إليه، وإلاّ كان القانون مخالفاً للحق.
    أما الأخلاق، والنظام، وضبط النفس وسائر الأمور التي تقيد الطبيعة، فهي أمور باطلة تجب محاربتها وإلغائها، فإذا كان الأمر كذلك فعلى الفكر الإنساني ألف تحية وسلام.
    ولكن مهما يكن من الأمر ، فإن السلطة القانونية ليست هي صاحبة الحق في تحديد الحق والباطل، فإن الحق والباطل لا يتحدد بيد السلطات، وإنما الحق والباطل أمران عقليان صرفاً لا يمكن التعرف عليهما، وغاية ما يفعله المشرعون هو تشخيص المصاديق والجزئيات لهذه القاعدة الكلية العقلية، وغاية ما يمكن أن يفتخر به قانون من القوانين إنه قد اقترب من العدالة أو الحق، أكثر فأكثر، وكلا هذين المفهومين من المفاهيم العقلية الصرفة.
    ولا ينبغي الخلط بين هذه القواعد العقلية وبين ما سماه (هوبز) بقانون الطبيعة، فإن هناك فرقاً شاسعاً بينهما، فإن قانون الطبيعة يعني الإنسان مجرداً عن العقل مستسلماً لأهوائه ونزواته، تقوده حيث تشاء، أما القواعد العقلية، فإنها تعني الإنسان متحلياً بالعقل، ومجرداً من العواطف والغرائز إلى أكبر حد مستطاع؛ لكي لا يمكّنها أن تؤثر في بحثه وأفكاره، ومن ثم هو ينظر إلى الواقع نظرة موضوعية عادلة.
    إلا أنه يمكن أن يكون مقصود (هوبز) من قانون الطبيعة، هو القانون العام الساري في الكون، وما يتطلبه من تكييف النفس على أساسه، بدعوى أن التكيف المناسب، حق وعدل، والتكيف غير المناسب ظلم وباطل. إلا أن هذا إذا أمكن إرجاعه في جوهره إلى حكم العقل بالحسن والقبح والعدل والظلم، من حيث إن العقل لا يمكن أن يحكم بهذه الأمور جزافاً، وإنما يحكم بها من حيث مطابقتها للنظام الكوني العام. فتكون نظرية (هوبز) هذه صحيحة ومطابقة للحقيقة، وإن كان المقصود منها شيئاً آخر كالذي ذكرناه قبل قليل، فهو محل المناقشة.
    أما بالنسبة إلى ما ادعاه (هوبز) من أن السلطة الروحية يجب أن تنزل عند حكم السلطة الزمنية، فهو إنما يريد بذلك أن يخضع الكنيسة المسيحية لاستبداد (آل ستيوارت). ولكن هذا الكلام بالنسبة إلى الإسلام لا يمكن أن يكون له ظل من الحقيقة, فإن في الدولة الإسلامية الجهة الدينية هي الجهة الحاكمة والإمام المعصوم×، الذي هو رئيس هذه الدولة وهو في عين الوقت المرجع الديني الأعلى لجميع المسلمين. وأما في أيامنا هذه فإنه ينبغي للدول ـ ولأجل ضمان سعادتها ورفاه شعوبها ـ أن تستنير بنور الإسلام وأن تقتدي بهداه، فإن واضعي القانون أنفسهم والحاكمين في كل دولة مكلفون بإتباع الأوامر الإسلامية، حيث يشملهم نداء الإسلام العام الذي وجهه إلى البشر، يحثهم فيه على إتباع أوامره، والسير تحت لوائه وذلك كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً}(14).
    أما ما هو الذي يقصده (هوبز) من قوانين الله (عزَّ وجلَّ)، فلا بد أن يكون هو قانون الطبيعة، من حيث إن الطبيعة نفسها من خلق الله (عزَّ وجلَّ), وكلما تتطلبه فهو بمشيئة من الله(جلَّ وعلا). فإن كان المقصود من قانون الطبيعة هو متطلبات القانون الكوني العام، فذلك شيء صحيح، فإن الإسلام نفسه لم يولد إلاّ لتحديد التكيف الصحيح مع متطلبات الكون، والملائمة العادلة بين مقتضيات البيئة والغريزة. وإن كان صحيحاً, إلا أنه لا يعني على الإطلاق أن الله تعالى قد أجاز الانطلاق الجنوني للغرائز للوصول بها إلى ما لا يحمد عقباه, فإنه (عزَّ وجلَّ) إنما خلق هذه الغرائز لمصالح مختلفة تتعلق بحفظ النوع، وحفظ النفس، وتيسير المعيشة للفرد، ويمكننا أن نتصور هذه المصالح بوضوح إذا تصورنا حالة الفرد عند عدم وجودها أو انعدام أحدها، وبأيه حالة من العسر والحرج سوف تكون حياته. ولكن ذلك لا يمكن أن يعني أن هذه الغرائز يجوز أن تستعمل حتى في الطرق الشاذة المؤدية إلى الفساد، فإن الله (عزَّ وجلَّ) بعد أن خلق تلك الغرائز جعل لها أنظمة وتعاليم؛ ليفهم الناس طريقة استعمالها على الأسلوب الصالح الصحيح, ويتجنب بها طريق الفساد والرذيلة.
    أما أقوال (هوبز) الأخرى في الدفاع عن استبداد (آل ستيوارت) وتبريره الحكم المطلق، فإنها قد أصبحت في عهودنا المتأخرة، أقرب إلى الفكاهة منها إلى أي شيء آخر(15).
    أراء جون لوك
    أما (جون لوك), فقد أرسل إرسال المسلمات قوله: (إن الناس في حالتهم الطبيعية أحرار ومتساوون ومستقلون، ولا يجوز أن يخضع أي شخص لسلطة الآخرين السياسية دون موافقته). وهذا بالنسبة إلى الإسلام غير ذي معنى؛ لأنه منتف أساساً في الدولة الإسلامية, فإن الفرد هناك غير خاضع لأحد غير الله (عزّ وجلّ)، خالقه ورازقه وصاحب التصرف في شؤونه... وليس حراً ولا مستقلاً كما يريد أن يذهب إليه (لوك).
    وحينئذ فإن الله (عزَّ وجلَّ) بلطفه ورحمته بعباده، ولعلمه أنه لا يمكن أن تحيا الإنسانية في (الحالة الطبيعية)؛ لأنها ( حالة لا تطاق) قد أنزل على عباده قوانين عادلة وأنظمة حكيمة؛ لكي يضمن بها البشر نظام حياتهم وسيادة الأخلاق والعدالة في ربوع مجتمعاتهم, وخول الله (عزَّ وجلَّ) أفضلهم صفة وأحسنهم نفساً، وأقربهم إليه (عزَّ وجلَّ)؛ لكي يضطلع بتطبيق تلك القوانين، وهو شخص معصوم يستحيل عليه الزلل والخطأ والخروج عن التعاليم الإلهية. ثم جعل الله (عزَّ وجلَّ) هذه القوانين، وهذا الحاكم الشرعي الإسلامي، واجبي الإطاعة يعاقب من خالفهما، وخرج على أوامرهما، وذلك لعلمه (جلَّ وعلا) بأن الغرائز البشرية لا يمكن أن تخضع للقيد إلا تحت سيطرة قوية لما فيها من الاندفاع والطلب الحثيث..., ولعلمه من ناحية أخرى بما في هذه القوانين، وما في أوامر الإمام× من سعادة للبشرية...ورقيها إلى كماله المنشود.
    وبعد أن كانت إرادة الفرد وحريته ليست ملكاً له في الواقع، وإنما هي ملك الله (عزَّ وجلَّ) وتحت تصرفه، وهو أمر باتباع أوامر الإسلام...ليس هو شيئا خارجاً عما يجب أن يكون عليه الواقع إذا أريد التنظيم الأكمل الذي يضمن سعادة المجتمع ورفاهه وسيادة الهدى والنظام فيه. فإن هذا القيد إما أن يحجز الحرية التي(لم تتوفر لدى الإنسان من أساس خلقته التكوينية) في مقابل الخضوع لله تعالى...إذاً فهذا القيد لم يسلبه شيئاً كان يملكه فيما سبق, وإما أن يحجز هذا القيد الحرية من عبادة الله (عزَّ وجلَّ) والتقرب إليه، فإن مثل هذا القيد مما ينبغي أن يكون حتى مع صرف النظر عن تعاليم الإسلام, فإن الله الذي خلق الإنسان، وأنعم عليه بالسمع والبصر والعقل، وهيأ له سبل الحياة المرفهة الكريمة, لهو أهل لأن يقضي الإنسان هذا العمر البسيط الذي وهبه إياه الله (عزّ وجلّ) في عبادته والتقرب إليه... وذلك؛ لأن وجوب شكر المنعم قاعدة عقلية منطبقة على كل منعم, فكيف لا تنطبق هذه القاعدة على الله (عزَّ وجلَّ) خالق البشر؟! ولم يفعل الإسلام أكثر من أنه ألفت نظرنا إلى هذه القاعدة العقلية، وحدد الأسلوب الذي ينبغي أن يستعمل في عبادة الله والتقرب إليه (عزَّ وجلَّ).
    وأما أن تحجز التعاليم الإسلامية الحرية مقابل التقيد بمراعاة الآخرين ومسايرتهم بالأخلاق والإنصاف، فإن هذا أيضاً مما ينبغي أن يكون، حتى مع صرف النظر عن التعاليم الإسلامية, فإن كل مجتمع لا يمكن أن يستمر في الوجود بدون الآداب والأنظمة المرعية إلا كانت الحالة فيه كالحالة الطبيعية جحيماً لا يطاق.
    وأما أن تكون الحرية التي تحجز بسبب التعاليم الإسلامية هي الحرية في مقابل الخضوع للدولة وتلبية أوامرها، فلعمري إن ذلك مما يدعو إليه العقل، كما ذهب إليه هؤلاء الفلاسفة, ولا يكون الأمن والنظام إلاّ به والإنسان لم يخرج منذ أول خلقته عن سلطة حاكم يحكمه ويدير شؤونه، فهلا كان هذا الحاكم هو قوانين الله (عزَّ وجلَّ) وشخص معصوم هو الإمام ×؛ ليرقى المجتمع إلى قمة العدالة الإنسانية(16).
    مناقشة رأي جون لوك
    أما بالنسبة إلى رأي (جون لوك) من أنه لا بد للتخلص من الحالة الطبيعية من وجود القانون الذي يتفق الجميع على أنه مقياس الصواب والخطأ. فإن الذي يعين الصواب من الخطأ – كما أسلفنا - ليس هو القانون ولا السلطة التشريعية، بل هو العقل, وغاية ما تفعله السلطة التشريعية هو تشخيص مصاديق القواعد العقلية الأولية، وليس اتفاق الجميع على شيء يعني أنه صواب ولا رفضهم له يعني أنه خطأ. فإن العقل البشري المختلط بالأهواء والرغبات، والذي تمثله آراء الأكثرية، غير قابل لإدراك مصالحه الحقيقية، بالإضافة إلى أن إسناد تمييز الخطأ من الصواب إلى اتفاق الجميع يؤدي إلى ضياع الخطأ والصواب لما في هذا الاتفاق من التحول والإختلاف بين زمان وزمان، باختلاف أنواع الثقافة والتقاليد والذوق العام, في حين أنه يستحيل على الحقيقة العقلية أن تتغير(17).

    1- حق الثورة:
    أما (حق الثورة) الذي هو جوهر نظرية هذا المفكر الإنكليزي، فإنه إنما قال به على تقدير مخالفة السلطة التشريعية والتنفيذية لحدود التفويض والتعاقد الذي فوضها إليه الشعب أثناء العقد الذي جرى بينهما, ومادام هذا التعاقد والتفويض منتف في الدولة الإسلامية، من حيث إن كلا من الشعب والدولة خاضعان لله (عزّ وجلّ) ولقوانينه العادلة، فإن هذه النظرية باطلة أساساًً في نظر الإسلام(18).
    2-المفهوم الإسلامي للثورة:
    يفرق من وجهة النظر الإسلامية بين أن يكون الحاكم الأعلى إماماً معصوماً أو أن يكون شخصاً آخر، فإن كان إماماً معصوماً، يستحيل عليه بعصمته الخروج عن الأوامر الإلهية وتعاليم الإسلام، ومن ثم فحق الثورة عليه منتف من أساسه، ولا يكون الخروج على حكمه إلاّ خروجاً على الدين الإسلامي نفسه، أما إذا لم يكن الحاكم معصوماً, فإنه معرض للهفوة والخطأ, ومن ثم فهو مراقب من جهات عديدة، من قبل الله (عزّ وجلّ) ومن قبل الإمام×(ومن قبل أمته)(19)، ومن قبل التعاليم الإسلامية التي تجعل حسابه عسيراً عند أقل مخالفة لمقتضياتها، وإن استلزم ذلك عزله من منصبه، ومعاقبته على فعله.
    فوجود مفهوم الثورة في القانون الإسلامي إن كان المقصود منه عزل الحاكم، فذلك راجع إلى التفريق الذي قلناه أعلاه، من أن هذا الحاكم إما أن يكون معصوماً عن الخطأ والزلل, فينتفي هذا الحق بالنسبة إليه من الأساس؛ لأن طاعته طاعة الله تعالى الذي ولاّه الحكم وإدارة دفة البلاد، والخروج عليه خروج على الإسلام والأوامر الإلهية، وإما إن لم يكن معصوماً فإنه يجوز عزله, بل قد يجب عند مخالفته لتعاليم دينه الحنيف.
    أما إذا كان المقصود من الثورة، هو قلب النظام الأساسي للدولة الإسلامية، فهو بالطبع محرم في دين الإسلام؛ لأنه يكون خروجاً عن الإسلام نفسه، وتمرداً على القوانين الإلهية العادلة وإغضاباً لله تعالى، ومن ثم فهو تعريض النفس إلى عقابه الشديد، وهو من ناحية أخرى تسافلاً مشيناً إلى الحضيض، ورفضاً للقوانين المثلى العادلة التي بها جاء الإسلام ليخرج البشر من الظلمات إلى النور، ويهديهم إلى الصراط المستقيم.
    الهوامش
    نظريات نشوء الدولة في فكر الشهيدين الصدرين...مقارنة بالغرب Clip_image001(1) الحكم والإدارة لباقر شريف القرشي: 64.
    (2) الوجيز في النظم السياسية: 14.
    (3) نفس المصدر.
    (4) نفس المصدر.
    (5) الحكم والإدارة: 64.
    (6) المدخل في علم السياسة, (بطرس بطرس غالي - محمود خيري عيسى):54.
    (7) النظم السياسية والحركات العامة، علي المثيث: 23 ـ 24.
    (Cool القانون الدستوري، سعد عصفور: 237.
    (9) التداخل السكاني وأثره في العلاقات اليمنيّة ـ الأثيوبية، محمد العنسي.
    (10) البقرة:213.
    (11) الإسلام يقود الحياة، محمد باقر الصدر: 14-15.
    (12) حق الثورة في تاريخ الفكر السياسي، فاضل حسين.
    (13) محاضرات في التاريخ الحديث، فاضل حسين.
    (14) النساء:174- 175.
    (15) نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، محمد الصدر: 33-35
    (16) نفس المصدر: 35.
    (17) نفس المصدر: 36-37.
    (18) نفس المصدر.
    (19) هذا الرأي (ومن قبل أمته) لا يوافق ما ذكر+ في منهج الصالحين مسألة 1: 22 حيث إنه ه + كتب النظرات قبل اجتهاده.






      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء فبراير 25, 2020 10:04 pm